غلب عليها أسلوب السيطرة من اتجاهين أو أكثر .. حروب يحيى حميد الدين ضد اليمنيين

  26 سبتمبر/ بلال الطيب   بخروج الأتراك من اليمن- مُنتصف القرن الحادي عشر الهجري- صار اليمن مِيراثًا سهلًا للدولة القاسمية، لتدخل الزّيدِيّة- دولةً ومذهبًا- مَرحلة اختبار حقيقي في كيفية تعاملها مع الآخر، ظلت فتاوى الفقهاء (فقهاء الهادوية) حول ذلك تُراوح مَكانها، حتى تولى الإمامة الفقيه المُتعصب الـمُتوكل إسماعيل بن القاسم، الذي صنع بفتاويه أعداء وهميين، احتوى أقاربه الطامحين، وجيَّش القبائل الشمالية جنوبًا، وغربًا، وشرقًا، مُؤسسًا بذلك أسوأ احتلال عرفته تلك المناطق على مدى تاريخها.

  كافأ ذلك الإمام ومن أتى بعده من أئمة أولئك المُحاربين بالأرض والثروة، وقد مضى على نهجه- وإنْ بصورة جزئية- المُتوكل يحيى بن المنصور محمد حميد الدين، تولى الأخير الإمامة بعد يوم واحد من وفاة والده 5 يونيو 1904م، حدث بادئ الأمر لغط كبير حول تنصيبه، اجتمع فقهاء الزّيدِيّة في حصن نواش (وشحة)، فدفع يحيى بصاحبه شيخ حاشد ناصر بن مبخوت الأحمر للضغط عليهم، ولم يدعهم الأخير يخرجون من مجلسهم إلا بعد أخذ بيعتهم.

حروب المناطق الشمالية كان حصن شهارة المنيع مقرًا لحكم الإمام يحيى، وقد بدأ عهده كأبيه بمحاربة الأتراك، ووعد مُقاتليه بالغنائم الكثيرة، وأفتى بـ «أن من قتل تركيًا دخل الجنة»، وسيطر بـ20,000 مُقاتل على أغلب المناطق الشمالية.

حاصرت قوات ذات الإمام مدينة صنعاء لستة أشهر مُتتالية، ليدخلها بعد جلاء الأتراك إلى حراز، بمُوجب اتفاق صلح مدته عام كامل، وقَّعه الطرفان 27 أبريل 1905م، وقد أشرف هو – أي الإمام يحيى – بنفسه عليه، كما أشرف من قبل على سير المعارك، وسيطرت قواته على مُعظم مناطق اليمن الخاضعة للأتراك، عدا تعز، وإب، وحراز، وتهامة، وقفل شمر، وكان دخوله صنعاء بعد شهر واحد من توقيع ذلك الصلح، وسمح باستمرار الدعاء للسلطان العثماني، واستبقى الراية العثمانية ترفرف في ذات المدينة؛ مُبررًا ذلك بأنَّه يصب في مصلحة المسلمين! كشفت في المُقابل وثائق بريطانية أرخت لحوادث تلك الفترة أنَّه- أي الإمام يحيى- تواصل خلال ذات العام مع الإنجليز في عدن، بواسطة سلطان لحج أحمد بن فضل العبدلي، وأرسل مبعوث خاص لذات الغرض، وطالبهم صراحة بدعمه بالمال والسلاح، وقدم لهم قائمة بذلك، وشدد على ضرورة أنْ يبقى موضوع ذلك التواصل طي السرية والكتمان! جهز الأتراك حملة عسكرية قوامها 50,000 مُقاتل، بقيادة المشير الثمانيني أحمد فيضي باشا، وما أنْ علم الإمام يحيى بمقدمه، حتى خرج بقواته من صنعاء، وذلك بعد شهرين من دخولها، مُتذرعًا هذه المرة بخوفه على سكانها، فيما لاحقته القوات العثمانية إلى مشارف شهارة، وتعرضت هناك لهزيمة قاسية.

أدى تمرد بعض الضباط والعساكر في الجيش العثماني على قائدهم فيضي باشا إلى إضعاف جبهة الأتراك الداخلية، فما كان منهم إلا أنْ سارعوا بإيقاف الحرب، مادين أيديهم لمفاوضة الإمام يحيى، وقد أرسل الأخير بشروطه التي غلفها بصبغة دينية أبريل 1906م، وهي الشروط التي رفضها الأتراك؛ لتتجدد المواجهات بين الجانبين، وحين لم ينتصر أحد الفريقين، أرسل الباب العالي في العام التالي وفدًا من عُلماء مكة، تركزت مهمته في حث الإمام على وقف القتال، وقد بقي الأخير بعد ذلك مُحتفظًا بما تحت يديه، وكذلك الأتراك، مع حدوث مناوشات محدودة بين الجانبين.

تأكيدًا لرغبتهم بتهدئة الأوضاع، وبسبب ضغوط نواب اليمن في استانبول؛ أرسل الباب العالي فور نجاح الثورة الدستورية بحسن تحسين باشا الفقير واليًا على اليمن يوليو 1908م؛ لما عُرف عنه من الحكمة والاتزان، وهو في الأصل عربي من بلاد الشام، وعنه قال المُؤرخ الواسعي: «صلحت في أيامه أحوال اليمن، وسكنت الفتن، ولم يتعرض الإمام وأعوانه وشيعته بأذيتهم، وحصل بينه وبين الإمام صلح، وألا يتعدى أحد على الآخر».

لم يدم ذلك الصلح طويلًا، تجمعت القوات الإمامية حول صنعاء يناير 1911م، وحاصرتها لأربعة أشهر، وتجاوزتها إلى يريم، وعاثت في الأخيرة نَهبًا وخَرابًا، وما أنْ علم الأتراك بما حلّ بجنودهم من هَزائم، حتى سارعوا بإرسال حملة عسكرية كبرى، أسندت مهمة قيادتها إلى اللواء أحمد عزت باشا، وبعد أنْ فك الأخير الحصار عن صنعاء، حاول التقدم صوب شهارة، إلا أنَّ تمرد محمد بن علي الإدريسي في صبيا حال دون ذلك، فاضطر لمهادنة الإمام يحيى، التقيا في دَعَّان، وهي قرية صغيرة غربي مدينة عمران، وتم الصلح بينهما 8 أكتوبر 1911م على عدة شروط.

صار الإمام يحيى بموجب ذلك الصلح أميرًا للزيود، لا أميرًا للمؤمنين، وقد التزم على هامشه بإطلاق سراح 500 أسير، وإعادة المدافع التي غنمها في الحروب السابقة، إلا أنَّه ماطل في التزامه الأخير، وقد طُويت بذلك الصلح صفحة قاتمة لصراع كلف الجانبين آلاف الضحايا.

حروب المناطق الوسطى مع نشوب الحرب العالمية الأولى، تحالف الإنجليز مع محمد الإدريسي، بعد أنْ تخلى عنه الطليان؛ وردًا على ذلك قام الأتراك باجتياح لحج تحت قيادة اللواء علي سعيد باشا- منتصف يونيو 1915م، ومعهم أكثر من 8,000 مقاتل، غالبيتهم من قبائل المناطق الوسطى (تعز، وإب)، وذكر الباحث صادق عبده علي أنْ مُساندة أهل تعز لتلك الحملة جاءت طمعًا في أنْ يمنحهم الأتراك حكمًا ذاتيًا أسوة بما أعطوه للإمام يحيى.

وقف الإمام يحيى في تلك الحرب على الحياد، ووصلت القوات التركية إلى الشيخ عثمان، إلا أنَّ الإنجليز استردوها بعد أنْ استخدموا الطيران لأول مرة، وفي الأخير حدث ما يشبه التعايش بين الفريقين، ففتحت التجارة بين لحج وعدن، ونشأت علاقة ودية طريفة بين المتحاربين، دامت حتى انتهاء تلك الحرب.

بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى، وقّع الأتراك على هدنة مودروس أكتوبر 1918م، وبموجبها، وبعد شهرين من توقيعها، استسلمت قواتهم في لحج للإنجليز، وتشير بعض الوثائق التركية أنَّ القائد علي سعيد باشا كان يود مُخلصًا أنْ يرى اليمنيين يستلمون مناطق الجنوب من تركيا، بدلًا من إعادتها للنفوذ البريطاني.

أما الوالي التركي محمود نديم فقد رفض الاستسلام للإنجليز؛ خوفًا من وقوعه هو وأصحابه في مذلة الأسر، التحق وأفراده الـ 900 بقوات الإمام يحيى، ليغادروا اليمن فيما بعد (1924م)، باستثناء 300 ضابط وجندي استبقاهم الأخير لتدريب جيشه النظامي، فيما أسلحة وعتاد الجيش التركي صارت ميراثًا سهلًا للدولة الوليدة التي لم يعترف بها الأتراك إلا بعد مرور أربع سنوات، وذلك بموجب معاهدة لوزان.

دان شمال اليمن للإمام يحيى، وذلك بعد خروج الأتراك الثاني؛ وهو الأمر الذي أجبر مشايخ تعز، وإب (المناطق الوسطى) أنْ يتداعوا لعقد مُؤتمر يُقررون فيه مصير مناطقهم، التقوا أواخر أكتوبر من العام 1918م، واتفقوا على تشكيل حكومة لا مركزية، لا ترتبط بصنعاء إلا بالأحوال الاستثنائية.

تدخل بعد ذلك القاضي علي الأكوع، ونصحهم بالدخول في طاعة الإمام يحيى، وبالفعل توجه إلى الأخير وفد منهم، التقوا به يوم دخوله صنعاء 19نوفمبر 1918م، رحب بهم، وقدم لهم الوعود بإبقائهم في مراكزهم، وإعفائهم من أي استحقاقات مالية، وبايعوه مبايعة جماعية، ورفضوا تسليمه رهائن الطاعة.

لم يكن ذلك الوفد مُمثلًا لغالبية سكان المناطق الوسطى الذين لم يكونوا يرغبون أصلًا بالانضمام إلى حكم الإمامة؛ بل أنَّ بعض أولئك المشايخ لم يكونوا راضين عن ذلك الإلحاق، لتبدأ بعودتهم إلى مناطقهم الاضطرابات، وقد كانت القماعرة أولى القبائل المُتمردة بقيادة محمد ناصر مقبل، والعدين بقيادة أولاد الباشا من بيت الجماعي، ومدينة تعز بقيادة أحمد علي باشا، وحبيش بقيادة محمد عايض العقاب.

وفي المُحصلة المأساوية كانت تلك الانتفاضات ذرائع ناجزة لأنْ يُحكِم الإمام يحيى سيطرته على جميع مناطق اليمن الوسطى حتى قلعة المقاطرة، ويضمها بالقوة إلى مملكته (المملكة المُتوكلية اليمنية)، الاسم الجديد لدولته، مُتبعًا سياسة القضم السريع لتلك المناطق وغيرها، وفق خُطط حربية محكمة، غلب عليها أسلوب السيطرة من اتجاهين، أو من أكثر من اتجاه، تمامًا كـالكماشة.

وبالرغم من خضوع المناطق الوسطى لحكمه، استمر الإمام يحيى بإرسال الحملات العسكرية لإذلال المواطنين، وعمل عساكره على اختلاق المعاذير لابتزازهم، ونهب ممتلكاتهم، واتخاذ منازلهم ثكنات ومقرات لهم، وقد كان الوافد الغريب مجاهدًا في سبيل الله، بينما الرعوي المسكين ابن البلد واحدًا من إخوان النصارى، يستحق كل ما يجرى له.

ولم يكتفِ الإمام يحيى بذلك؛ بل حارب تجار تعز، وإب، والحديدة، وانتزع التجارة الخارجية منهم، وسلمها لوكلاء مُقربين منه، وصار الـمُتحكم الرئيس فيها، والمُحتكر الوحيد للمُربح منها؛ الأمر الذي جعل رأس المال المحلي المتواضع يفر إلى عدن، ودول القرن الإفريقي، وبعض دول شرق أفريقيا.

حروب المناطق الغربية دخل الإمام يحيى صنعاء – وارثًا العثمانيين – وعينه على الحديدة، الميناء المهم الذي ستتنفس من خلاله دولته، وهو الأمر الذي أدركه الإنجليز مُبكرًا، وأرادوا من احتلالهم لذات المدينة الاحتفاظ بها كورقة رابحة للضغط عليه، ومُساومته عليها ليغض الطرف عن وجودهم في جنوب اليمن، وحتى لا يُشكل تهديدًا لهم في الـمُستقبل.

سارع الإمام يحيى بعد دخوله صنعاء إلى توجيه قواته المُتحفزة غربًا، في البدء سيطر سلمًا على حراز نوفمبر 1918م، ثم ريمة ديسمبر 1918م، ثم بُرع فبراير 1919م، أما وصاب فقد سيطر عليها حربًا يونيو 1919م، وفي ذات الشهر أيضًا سيطر على زبيد سلمًا، وجبل راس حربًا، وصولًا إلى حيس، ثم الخوخة، ثم المخا، وكذلك مِلْحَان سبتمبر 1919م.

وفي الجانب الآخر أظهر محمد بن علي الإدريسي- المدعوم من قبل الإنجليز- نفسه مُدافعًا عن المذهب الشافعي، وسارع بالاتصال بمشايخ تهامة، وتوافد مُعظمهم لنُصرته، وعمل جاهدًا على أنْ يُضعف قوة خصمه اللدود (الإمام يحيى)، وأنْ يكسر شوكته، وأنْ يحصره في المناطق الجبلية، وتوسع لأجل ذلك جنوبًا، وسيطرت قواته على الزيدية مارس 1919م، ثم اللحية مايو 1919م، ثم مِلْحَان وباجل ديسمبر 1919م، ثم بُرع فبراير 1920م، ثم ريمة يوليو 1920م.

وبين التوسع والتوسع المضاد، بدأت جولة ثانية من المُواجهات الشرسة بين الحاكمين، استمرت لأكثر من عامين، وكانت – أي هذا الجولة – سجالًا، ودارت أعنف معاركها في مِلْحَان، وبني سعد، وصعفان، وبُرع، وريمة، وقد ظلت السيطرة على هذه المناطق مُتذبذة بين الجانبين، إلى أنْ هدأت المواجهات، وحصل ما يشبه التعايش بين الطرفين، وكانت الحدود أواخر عام 1921م على هذا النحو: آخر جبال ريمة، وصعفان، ومِلْحَان، للإمام يحيى، وآخر جبل برع، وبني سعد، وحجور للإدريسي.

بعد عامين من وفاة محمد بن علي الإدريسي، وترنح دولته، سيطر الإمام يحيى على الحديدة مارس 1925م، ولم تتم له السيطرة الكاملة على تهامة إلا بعد قضائه على ثورة الزرانيق أكتوبر 1929م، وهي سيطرة هـدَّ سكونها اجتياح القوات السعودية لشمال الإقليم أبريل 1934م، بمساعدة الشيخ هادي الهيج وبعض مشايخ تهامة الذين تحالفوا مع آل سعود نكاية بإمام صنعاء الذي أذلهم، وصادر أسلحتهم.

أوقفت اتفاقية الطائف- أواخر الشهر التالي- تلك الحرب، إلا أنَّها لم تُنهِ ذلك الصراع.

حروب المناطق الجنوبية طيلة جولاته التفاوضية مع الإنـجليز، كـان الإمـام يـحيى دائمًا ما يطالبهم بأراضي أجداده، مُستدلًا بسيطرة الأمير أحمد بن الحسن (توفي عام 1092هـ/1681م) قائد جيوش المُتوكل إسماعيل بن القاسم على الجنوب، ناسيًا أنَّ أبناء تلك المناطق تعاملوا مع أجداده كمُحتلين، قاوموهم من أول لحظة، وطردوهم شرَّ طرده، وقتلوا منهم الكثير.

كان ثمة توجه إنجليزي بتسليم الإمام يحيى أغلب المحميات الجنوبية مع الحصول منه على بعض الامتيازات، الكرنل هارولد جيكوب كان من أكبر الداعين لذلك، عزم على التوجه إليه عبر الحديدة أغسطس 1919م، إلا أنَّ أبناء قبيلة القُحري احتجزوه لأربعة أشهر، وحالوا دون وصوله إلى صنعاء؛ وذلك خوفًا من ربط مصيرهم بالإمام.

غضب الإمام يحيى من الإنجليز لعدم تأديبهم تلك القبيلة، ووجه قواته جنوبًا، احتل الضالع، والشعيب، والأجعود، والقطيب، ليُعقد في القاهرة بداية عام 1921م مُؤتمر خبراء الشرق الأوسط، وكان من أهم توصياته الاعتراف بسلطاته على تلك المحميات، إلا أنَّ المقيم السياسي في عدن عَارض ذلك وبشدة، وقد أسهم ذلك التخبط الإنجليزي في فتح شهية ذات الإمام أكثر.

أدت سياسة الإمام يحيى التوسعية إلى اهتزاز الدوائر السياسية للإنجليز في لندن، وقاموا على الفور بتغيير مُعتمدهم السامي في عدن، فيما أخذ ذات الإمام بالتوسع جنوبًا، سيطر هذه المرة على البيضاء، وإمارة العلوي، والأميري، والمسبعي، والعواذل، لتقاوم الأخيرة ومعها منطقة البيضاء قواته، وذلك بعد عدة أشهر فقط من اجتياحها.

بأسلوبه التقليدي المُذل حكم الإمام يحيى تلك المحميات، عض حينها من ناصروه أصابع الندم، وتوجه بعضهم صوب الإنجليز طالبين المُساندة، وقد حمله المُؤرخ الردفاني سالم ذيبان مسؤولية ذلك، قائلًا: «لو كان الإمام جعل حملته ذات طابع وطني، دون أن يُثقل كاهل المواطنين، ما تخلف عن أمره أحد».

وهذا أمين الريحاني أثناء رحلته إلى اليمن، التقى بمواطنين من لحج، والحواشب، وماوية، استغرب من تفضيلهم للأتراك والإنجليز على الإمام، وهي الصورة ذاتها التي عمد عبدالعزيز الثعالبي على نقلها أثناء مروره من مدينة السياني أغسطس 1924م وعلى ذكر الرحالة الثعالبي، فقد كانت الوحدة اليمنية أثناء رحلته تلك همّه الشاغل، سعى خلال فترة بقاءه التي تجاوزت الشهرين لتقريب وجهات النظر حولها بين سلاطين الجنوب والإمام يحيى، كان الأخير حينها مزهوًا بانتصاراته التي حققها، وفي غمرة ذلك الانتشاء أصر على أنْ يكون الحاكم الأوحد، وبيده مقاليد كل شيء.

سلاطين الجنوب- من جهتهم- وضعوا برنامجًا أسموه (إصلاح الحكم)، دعوا فيه إلى نظام اتحادي فيدرالي، يرتكز على أسس دستورية، وأنْ يكون للدولة الجديدة حكومة تقوم مقام الإمام، ومجلس أمة يمثل الشعب، وهو ما لم يتوافق مع سياسة الإمام التوسعية.

اللافت في الأمر أنَّ بعض السلاطين كانوا قد تعاطوا بعد ذلك إيجابًا مع مُبادرات الإمام يحيى، إلا أنَّهم بعد أن رأوا سوء أعماله؛ ارتموا في أحضان الإنجليز، وصاروا أكثر عمالة لهم، وأكثر رفضًا للإمام ولتدخلاته، عقدوا مؤتمرًا كبيرًا، وفيه أشهروا توجههم الجديد.

وجد الإنجليز في ذلك الارتماء فرصة ذهبية للانتقام من الإمام يحيى الذي سبق أنْ تحالف نكاية بهم مع الطليان، دعموا الثوار بالأسلحة المُتطورة، فيما قامت طائراتهم بـ 48 غارة على الحاميات الإمامية بالجنوب، ولم يستثنِ القصف مُدنًا شمالية، ليتحقق الانسحاب الإمامي بعد ستة أسابيع من المواجهات 14 يوليو 1928م.

وهكذا خسر الإمام مناطق الضالع، والشعيب، والأجعود، والقطيب، فيما انسحب سلمًا من العواذل العليا (الظاهر)، وبيحان، فتح الإنجليز تبعًا لذلك معه صفحة جديدة، ووقعوا معه معاهدة صنعاء، وفيها اعترفوا باستقلال مملكته، ونجحوا بانتزاع اعتراف منه بالحدود الشطرية 11فبراير 1934م.

لم تكن الـ 14 عامًا الأخيرة من حُكم الإمام الطاغية يحيى حميد الدين هَادئة عليه أو مُستقرة؛ بل تخللتها أحداثٌ عظام، وتحولات حاسمة، وبهزيمة جيشه الحافي أمام القوات السعودية، بدأ العد التنازلي لنهايته مايو 1934م؛ وهي الكارثة التي أدت لارتخاء قبضته، وتَبَدُد هيبته، وضُعف شعبيته، ليبدأ الأحرار (الدرادعة)- كما كان يُسميهم، وهي تسمية خاصة بطائفة من اليهود- يُفكرون جديًا في كيفية التخلص منه، وهو ما كان.

اليمن      |      المصدر: 26سبتمبر الحكومية    (منذ: 2 أشهر | 3 قراءة)
.