الدبلوماسية الثقافية بين العرب وتركيا

الدبلوماسية الثقافية بين العرب وتركيا

كلما امتد العالم ثقافيا شرقا وجنوبا لقي حفاوة وترحابا، وكلما امتد شمالا وغربا وجد جفاء وممانعة.

ينطبق هذا على العلاقات الثقافية العربية الآسيوية والأفريقية بشكل عام.

ومن هذه الامتدادات الطبيعية الامتداد الثقافي مع الشعوب التركية التي تشكل الهلال الذي يمتد غربا من ، وصولا إلى إقليم الإيغور في الصين، ومرورا بالجمهوريات التركية لغة وثقافة وعرقا، والمعروفة بجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق التي هي أكثر عددا من الشعوب العربية مجتمعة.

منذ نحو عقدين من الزمان أخذت تركيا زمام المبادرة ومدت الجسور مع العالم العربي، ومنها الجسر الثقافي والمعرفي عبر والمسلسلات واستقطاب السياح ورؤوس الأموال، وصولا للاجئين والمقيمين العرب في تركيا.

ولا يزال هذا الجسر يسير في اتجاه واحد من الأتراك للعرب وليس العكس، والحديث هنا عن رعاية رسمية للثقافة العربية في محيط الدول التركية وخاصة تركيا وليس عبر المبادرات الفردية.

ن المحزن أن الدول العربية بكل ما تمتلكه من موارد لم تستهدف هذه البلدان بإنشاء مراكز لتعليم اللغة العربية مثلا، رغم الإقبال الشعبي والرسمي والولع الشديد بهذه اللغة لأسباب دينية في المقام الأول واقتصادية في المقام الثاني يخطئ من يظن أن الدبلوماسية الثقافية هي دبلوماسية مجانية أو أقل أهمية من بقية أنواع العلاقات الدبلوماسية ذات المردود الواضح والسريع، مثل القضايا السياسية والعسكرية والاقتصادية، فهي القضبان الذي تشق القلوب والعقول لبقية أنواع الدبلوماسيات الأخرى.

ومن المحزن أن الدول العربية بكل ما تمتلكه من موارد لم تستهدف هذه البلدان بإنشاء مراكز لتعليم اللغة العربية مثلا، رغم الإقبال الشعبي والرسمي والولع الشديد بهذه اللغة لأسباب دينية في المقام الأول واقتصادية في المقام الثاني.

حضرت افتتاح معرض إسطنبول الدولي للكتاب هذا العام ٢٠٢٣، وأعتقد أن الإقبال الشديد من الجمهور العربي والتركي يدل على التعطش الشديد للأنشطة الثقافية العربية التي تستهدف الجمهورين.

كنت أظن أن من يحرص على متابعة هذه الأنشطة في تركيا هم العرب المقيمون أو الزائرون، لكنني فوجئت بعدد كبير من الأتراك.

سألت أحدهم جاء من مدينة بورصة عن سر حضوره للمعرض وهو لا يعرف اللغة العربية، فقال إنه إمام مسجد وواجب عليه أن يتعلم اللغة العربية ويسعى لذلك.

هناك حديث طويل عن التاريخ المشترك بين العرب والشعوب التركية وحديث أطول عن التجاذبات السياسية والخصام والتصالح، وما لفت نظري في هذه العلاقة المعقدة والمركبة بين الدول العربية وتركيا تحديدا؛ أن خلافات السياسة لم تفسد يوما للعلاقات الاقتصادية قضية، فقد بقي حجم التبادل التجاري بين تركيا وعديد من الدول التركية مرتفعا رغم حدة الخلافات التي وصلت لتراشق لفظي وسحب السفراء.

والسؤال الهام هنا: إذا كانت المصالح الاقتصادية المشتركة استطاعت أن تسمو على الخلافات السياسية لاستشعار كل الأطراف الفوائد المترتبة عليها، أليس من باب أولى أن تدخل العلاقات الثقافية إلى المساحة ذاتها؟ هناك تجاذبات سياسية داخلية في تركيا حول دور اللغة العربية والعرب في المجتمع بشكل عام تقودها عدد من التيارات المعارضة، لكن تبقى الحقيقة المؤكدة أن اللغة والثقافة العربية بشكل عام مرحب بها حاليا على المستويين الرسمي والشعبي، وهي فرصة إن ملامح التعاون الثقافي العربي التركي يبدأ من أنشطة هامة مثل معرض إسطنبول الدولي للكتاب ولا ينتهي عنده، فهناك مثلا رعاية تعليم اللغة العربية والأنشطة الفنية والأدبية المختلفة، وحبذا لو كانت كل مدينة في تركيا تشهد معرضا دوليا للكتاب العربي، خاصة تلك التي تشهد أعدادا كبيرة من العرب.

ولا ننسى أن هناك مدنا تركية في الجنوب يتحدث سكانها الأتراك اللغة العربية أصلا، هذا بالإضافة للمراكز الثقافية العامة والمحاضرات والمهرجانات.

بالطبع هناك تجاذبات سياسية داخلية في تركيا حول دور اللغة العربية والعرب في المجتمع بشكل عام تقودها عدد من التيارات المعارضة، لكن تبقى الحقيقة المؤكدة أن اللغة والثقافة العربية بشكل عام مرحب بها حاليا على المستويين الرسمي والشعبي، وهي فرصة لا ندري متى ستتكرر في المستقبل إذا لم نحسن استثمارها حاليا.

منوعات      |      المصدر: عربي 21    (منذ: 3 أشهر | 5 قراءة)
.