الجوهري يحلل إشكالية فلسفية في فيلم العبد

يُعرّف هيغل (فيلسوف ألماني) “العبد” بأنه الشخص الذي من خلال عمله يغيّر الطبيعة.

ولاحظ أنه من خلال العمل يصل إلى الكائن في جانبه النشط.

أما “السّيد” فلا يشتغل، بل يأمر ويعيش في لذة الكائن المُستهلك.

انطلاقا من هذا التوجه الفلسفي، أسّس المخرج المغربي عبد الإله الجوهري لفيلمه الأخير “العبد” على مدى ساعة و42 دقيقة، الذي ناقش من خلاله إشكالية الحرية والعبودية، الرأسمالية والصراع الطبقي، النفوذ والاستغلال في العمل… في شريط متماسك من الناحية الدرامية، تدور أحداثه حول “الاستعباد” المعاصر في نسق كرونولوجي مع تنوع في الأحداث وترابط بين الشخصيات.

يبدأ الفيلم في القطار (رمز الحياة) حيث يطلُ علينا إبراهيم، بطل الفيلم، قادما من “لا مكان”، وينتهي بالقطار (رمز الاستمرارية) ذاهباً إلى مكان أفضل.

شخصية ابراهيم تقمصها الممثل الواعد سعد موفق، الذي كان موفّقا إلى أبعد الحدود في تجسيد العبد المتشرّد الخنوع الذي يبحث عن سّيد لشرائه مقابل الأكل والشرب.

يصل إبراهيم إلى قرية نائية ليكتشف المُشاهد من خلال تقنية الفلاش باك طفولته الصّعبة والمتدحرجة بين مرض الأخت، قساوة الأم وحنان الأب.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} في الفيلم أيضا تبرز شخصية ثانية يلعب دورها عمر لطفي الموظف الذي يصل إلى المصنع وكله طموح لتسلق السلالم متّخذا سبيل العبودية لسيّده ليصل إلى مبتغاه، لكن ضميره حين استفاق حوّله إلى مناضل يدافع عن حقوق العمّال لينقلب بعد ذلك على ولي نعمته.

أما الشخصية الثالثة السي بن عمر صاحب المصنع والرجل الثري، فقد أبدع فيها الفنان العالمي اسماعيل أبو القناطر، مجسّدا دور الارستقراطي الذي يقبل “بشراء” العبد ويشغّله في قصره مربياً لحفيده، لتنشأ بعد ذلك قصة حب بين العبد وابنة السّيد.

“إن جدلية السيد والعبد تقوم على الأطروحة المتناقضة التي بموجبها يكون العمل المُغترب للعبد هو الطريق إلى تحرره، ولا بد للسّيد أن يتعرّف على الآخر (العبد) إن أراد أن يعرف نفسه” (هيغل).

قام الجوهري بتحليل فلسفي لإشكالية العبد والسّيد عبر الصورة (لقطات عامّة ومتوسطة لشخصيات الفيلم في ديكورات مختارة بعناية صورت أغلبها بواحة فجيج جنوب شرق المغرب) والحوار (تضمن أفكارا فلسفية عميقة، خاصة في حوارات إبراهيم).

يمكن تقسيم الفيلم إلى جزأين: في الجزء الأولى نتعرّف على الشخصيات الأساسية في الفيلم ونغوص في الذكريات الطفولية لإبراهيم كي نفهم في الأخير السبب الذي جعله يعيش حالة التشرد ونكتشف من خلال الحوارات أن هذا المتشرد ذا ثقافة كبيرة وصاحب فلسفة في الحياة.

أما الجزء الثاني فيبدأ بعد أن يقبَل السي بن عمر أن يُشغّل إبراهيم في قصره، مانحا إياه فرصة تحقيق الذات بتعليم حفيده المعلومات التي ستنفعه في حياته.

هكذا وبفضل عمله ومخاطرته بحياته من أجل مبادئه، يجد “العبد” طريقه إلى التحرّر، وكما قال هيغل: “قيمة الحياة هي ما نحن مستعدون للمخاطرة من أجله”.

تميّز الموضوع والطريقة التي أدار بها المخرج الأحداث والممثلين جعلا الفيلم يحصد العديد من الجوائز، فخلال شهر أكتوبر 2023 فقط حاز على ثلاث منها: جائزة لجنة التحكيم في المهرجان الدولي للسينما بنواكشوط-موريتانيا (الدورة الأولى) وجائزتي الإخراج والسيناريو في الدورة 12 من المهرجان الدولي المغاربي للفيلم بوجدة (المغرب)، كما سبق له أن فاز بالجائزة الكبرى وجائزة أحسن ممثل في الدورة الرابعة من مهرجان السينما “التيرانغا” بالعاصمة السينغالية دكار.

المغرب      |      المصدر: هسبرس    (منذ: 3 أشهر | 7 قراءة)
.