رحلة رعب.. مسنون بغزة ينزحون تحت النار

غزة – لا يتوقف لسان السبعينية سعاد عكيلة عن تكرار "اللي من الله يا محلاه.

.

الحمد لله على كل حال"، صابرة محتسبة ما عايشته من أهوال 6 أسابيع من الحرب الإسرائيلية، حتى اضطرت ونزلاء "مركز الوفاء لرعاية المسنين" في مدينة الزهراء للنزوح إلى مدينة دير البلح وسط .

بعد ساعات قليلة من قصف إسرائيلي أودى بحياة رئيس مجلس إدارة جمعية الوفاء الخيرية الدكتور مدحت محيسن، وإصابة أحد الفنيين في مركز الوفاء وبتر ساقيه، قررت إدارة المركز السبت الماضي إخلاءه، وخوض رحلة نزوح اضطرارية لم تخل من أخطار على حياة الفرق الطبية والإدارية و40 نزيلا من المسنات والمسنين.

أسابيع من الرعب في الليلة التي سبقت النزوح، نجت الحاجة سعاد عكيلة (70 عاما) من الموت عندما انهارت نوافذ غرفتها الزجاجية عليها ليلا، وأصيبت بجروح في أطرافها، وتقول للجزيرة نت "قصفوا الغرفة، وتحطمت الشبابيك فوق رأسي، ولا أعلم كيف هربت من الغرفة من دون العكازين".

تصف عكيلة أسابيع الحرب داخل مركز الوفاء بأنها "صعبة، وكل الضرب والقصف فوق رؤوسنا، وكنا نتوقع الموت في كل لحظة".

ويقع مركز الوفاء في مدينة الزهراء جنوبي غربي مدينة غزة، والتي كانت مسرحا لغارات عنيفة أعقبت إنذارات إسرائيلية لسكانها بالإخلاء، ودمر الاحتلال عددا كبيرا من الأبراج السكنية المكونة من 7 طوابق، تميز باقي التركيبة المعمارية لهذه المدينة، التي تأسست عقب إنشاء السلطة الفلسطينية في تسعينيات القرن الماضي.

الحاجة سعاد عكيلة عايشت حروبا عدة طوال سنوات عمرها، لكن الحرب الإسرائيلية المستعرة على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي هي "الأعنف والأكثر رعبا، واليهود (الاحتلال) لا يراعون طفلا أو مسنا".

في الطريق من مدينة الزهراء حتى مدينة دير البلح، كانت المشاهد -بحسب وصف المسنة السبعينية- "مرعبة ومخيفة"، وتقول "أصوات الانفجارات لم تتوقف، والدبابات في الشوارع، وشهداء على الأرض".

غارات عنيفة أعقبت إنذارات إسرائيلية لسكانها بالإخلاء بالقرب من مركز الوفاء (الجزيرة) رسالة من نار ووفقا لرئيس قسم المسنين أشرف حمادة، فإن إدارة مركز الوفاء استشعرت الخطر بعدما بعث الاحتلال "رسالة من نار"، مما اضطرهم إلى النزوح والنجاة بأرواح المسنين بعد أن اقترب الموت منهم مرارا بفعل غارات جوية مكثفة، وتساقط قذائف المدفعية برا وبحرا بالقرب من المركز وفي محيطه.

وأصيبت المسنتان فاطمة بارود وديبة الكرد بجروح نتيجة شظايا الصواريخ والقذائف التي تناثرت في أرجاء المكان واخترقت غرف أقسام المسنين.

وقالت عكيلة "كانت ليلة مرعبة، وانتظرنا النهار بفارغ الصبر، وخرجنا من المركز بالملابس التي نرتديها للنجاة بأرواحنا".

ويقول حمادة للجزيرة نت إن "البقاء في المركز بات مغامرة بحياتنا وحياة المسنين، وكان لا بد من النزوح مع ساعات النهار الأولى بعد ليلة مرعبة تساقطت فيها نحو 25 قذيفة، تسببت في أضرار جسيمة بمباني المركز وغرف المسنين".

وبذل المختصون طوال ساعات الليل جهودا مضنية من أجل التخفيف من حالة الهلع والرعب الشديدين التي انتابت المسنين وسلبت عيونهم النوم، وتقول عكيلة "تجمّعنا في غرفة واحدة، وانتظرنا النهار للهرب من القصف والموت".

شهيد يخلف آخر وإضافة للقصف العنيف، كان توفير الطعام ومياه الشرب "مهمة شبه مستحيلة"، وقد تحوّلت مدينة الزهراء إلى "مدينة أشباح" خالية من السكان، وقد أغلقت الأسواق والمحال التجارية أبوابها، وأصبح الخروج من المركز لتوفير الاحتياجات الأساسية كمن يذهب إلى الموت بساقيه، بحسب وصف حمادة.

ومع الانقطاع التام للكهرباء منذ الأيام الأولى للحرب، يقول حمادة إن "المركز اعتمد على الطاقة الشمسية التي لا توفر سوى 13% من حاجة المركز".

ويقدم مركز الوفاء خدمات مجانية للمسنين، وتعرضت مرافق جمعية الوفاء الخيرية، التي يتبع لها المركز ومن ضمنها "مستشفى الوفاء للتأهيل الطبي والجراحات التخصصية"، خلال حروب سابقة لأضرار جسيمة، أشدها في معركة "سيف القدس" في مايو/أيار 2021.

واستشهد رئيس مجلس إدارة الجمعية الدكتور جمال خصوان في غارة جوية إسرائيلية استهدفت البناية السكنية التي يقطنها في حي الرمال بمدينة غزة خلال عدوان إسرائيلي على القطاع في مايو/أيار الماضي، وخلفه الدكتور الشهيد مدحت محيسن.

ويستضيف مستشفى يافا في مدينة دير البلح نزلاء مركز الوفاء من المسنين والفرق الطبية والإدارية، ويخشى المسؤولون في جمعية الوفاء دمار المركز ومرافق الجمعية الأخرى التي تقدم خدمات حيوية متنوعة، في ظل ما تشهده مناطق شمال القطاع من عدوان محموم جوا وبرا وبحرا.

الوكالات      |      المصدر: الجزيرة    (منذ: 5 أشهر | 8 قراءة)
.