مُشاحنات عراقيّة وبوادر ثورة الجِيْاع!

مُشاحنات عراقيّة وبوادر ثورة الجِيْاع!

تتصادم، وبوضوح، الأفكار والرؤى والنظريّات السياسيّة والاقتصاديّة والفكريّة وحتّى العلميّة والمنطقيّة وذلك حينما نُحاول إلقاء نظرة مُتفحّصة لعموم الواقع العراقيّ الحاليّ! وهذا التصادم ليس عبثيّا، وإنّما مدروس ومُنظّم ومُرتّب لدرجة متناهية الدقّة، وبالذات في مجالات السياسة والأمن والاقتصاد والاجتماع! ومن هنا تَتَملّك الفكر "المُحايد" الحيرة حينما يُحاول وُلُوج واقتحام وتدقيق تفاصيل "الدولة العراقيّة"! فهل يُدقّق المُتابع في المواجهات السياسيّة أم في الاقتصاديّة أم في الصراعات الثقافيّة أم في استغلال الرياضة سياسيّا؟ أم يتفحّص الواقع والتعليميّ والثقافيّ والفنّيّ غير المستقرّ على أرضيّة صلبة؟ سياسيّا، هنالك محاولات لتسقيط أو لإحراج حكومة محمد شياع السوداني (الفتيّة) بالتزامن مع زيارته المُرْتقبة لواشنطن! سياسيّا، هنالك محاولات لتسقيط أو لإحراج حكومة محمد شياع السوداني (الفتيّة) بالتزامن مع زيارته المُرْتقبة لواشنطن! وتابعنا كيف أنّ بعض القوى الفاعلة (السياسيّة والمسلّحة) تشتم واشنطن في العلن وترسل رسائل تطمين وترطيب بالخفاء مرّة وبالإعلام مرّة أخرى، لأنّها مُقتنعة بأنّ المونتاج النهائيّ للصورة العراقيّة في قبضة البيت الأبيض، وبالذات مع وجود خمسة آلاف مقاتل أمريكيّ بالعراق، وتَحكُّم البنك الفيدراليّ الأمريكيّ بأموال مبيعات النفط العراقيّ! ويوم الأحد الماضي (22 كانون الثاني/ يناير 2023)، أكّدت صحيفة "المدى" العراقيّة بأنّ وزراء وفصائل مشاركة في الحكومة، ومرفوضة أمريكيّا، تقف بطريق زيارة السوداني لواشنطن، ولكن في المقابل فإنّ الإطار التنسيقيّ برئاسة نوري المالكي (المُشكِّل للحكومة) يُدافع بقوّة عن الزيارة، ويُحاول التناغم مع الإملاءات الأمريكيّة.

وموقف الإطار إتمام لسياسات المالكي السابقة وتوقيعه للاتّفاقيّة الأمنيّة مع واشنطن في العام 2008، وليس تحوّلا بالمواقف كما يَظنّ البعض! وتتزامن صراعات الفرقاء السياسيّين مع حرب اقتصاديّة كاسحة ضدّ ملايين الفقراء، والمُتمثّلة بتقلّبات الدولار السريعة والارتفاع الجنونيّ لعموم الأسعار، ولهذا نجد أنّ القوى الحاكمة ببغداد مُتخوّفة من "ثورة الجِياع" التي حذّرنا منها مرارا، وتحاول تأييد التقارب مع واشنطن وتهدئة اللعب معها وعدم التصعيد العسكريّ والإعلاميّ، لأنّهم مُستوعبون تماما لموقفهم السياسيّ والاقتصاديّ الهزيل! تتزامن صراعات الفرقاء السياسيّين مع حرب اقتصاديّة كاسحة ضدّ ملايين الفقراء، والمُتمثّلة بتقلّبات الدولار السريعة والارتفاع الجنونيّ لعموم الأسعار، ولهذا نجد أنّ القوى الحاكمة ببغداد مُتخوّفة من "ثورة الجِياع" التي حذّرنا منها مرارا، وتحاول تأييد التقارب مع واشنطن وتهدئة اللعب معها وفي المقابل، لا تدري حكومة السوداني كيف تتعامل مع تقلّبات الدولار الأمريكيّ، وكأنّ تقلّباته تشبه مواقف غالبيّة السياسيّين من التعامل مع واشنطن! والحيرة الحكوميّة من أزمة صرف الدولار دفعت رئيسها لإعفاء محافظ البنك المركزيّ مصطفى غالب، وتكليف المحافظ الأسبق علي العلاق بإدارة البنك بالوكالة، في محاولة لتقليل ارتفاع أسعار صرف الدولار! وسبق للعلاق، حينما كان محافظا للبنك المركزيّ، أن أعلن خلال جلسة لمجلس النوّاب، يوم 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، بأنّ مياه الأمطار تسبّبت بغرف خزائن مصرف الرافدين في العام 2013، وأتلفت سبعة مليارات دينار عراقيّ (حوالي ستة ملايين دولار)، وأضرّت الأوراق النقديّة بنسبة 100 في المئة! فكيف سيُدير العلاق أزمات البلاد الماليّة مع هذه السابقة الخطيرة التي أثارت موجة غضب شعبيّ حينها، والتي تؤكّد سوء إدارته للأموال، ومع ذلك لم يُحاسب على تقصيره الواضح؟ وبداية الأسبوع الحاليّ 21 كانون الثاني/ يناير 2023، اتّهم المالكي أمريكا باستخدام الدولار كسلاح، وبأنّها "تراقب الوضع ، وأخشى أن نصل لمرحلة تدهور العملة العراقيّة لعدم السيطرة على حركة الدولار"! وتأكيدا لنظريّة المؤامرة قال المالكي إنّ "بعض الأطراف المحلّيّة والدوليّة لم يرُقْ لها تشكيل الحكومة الحاليّة"! ولم يُلْقِ المالكي اللّوم على الكتل السياسيّة لسوء إدارتها للملفّات الحسّاسة، ومنها الأمن الاقتصاديّ، وتهريب العملة الصعبة، وإنّما، وكالعادة، رمى كرة الفشل في ملعب المؤامرات الداخليّة والخارجيّة! ولقد كان لفقراء العراق كلمة مختلفة الأربعاء الماضي، ولهذا خرجوا بمظاهرات كبيرة أمام بوّابة البنك المركزيّ احتجاجا على ارتفاع الدولار! هذه الحالة المُربكة (المُزمنة) جعلت الشعب متعطّشا للأفراح وربّما لحظات "الخدر الفكريّ"، ولهذا تابعنا أفراح العراقيّين الشعبيّة الكبيرة بفوز منتخب كرة القدم بكأس الخليج العربيّ، ولكنّ الفرحة سُلِبَت بسبب الاستغلال السياسيّ للفوز، وصارت الكيانات الكبرى تتسابق لتكريم اللاعبين ولالتقاط الصور التذكاريّة معهم، في محاولة لنسبة الفوز لأطراف لم تكن يوما ما قريبة من الرياضة هذه الحالة المُربكة (المُزمنة) جعلت الشعب متعطّشا للأفراح وربّما لحظات "الخدر الفكريّ"، ولهذا تابعنا أفراح العراقيّين الشعبيّة الكبيرة بفوز منتخب كرة القدم بكأس الخليج العربيّ، ولكنّ الفرحة سُلِبَت بسبب الاستغلال السياسيّ للفوز، وصارت الكيانات الكبرى تتسابق لتكريم اللاعبين ولالتقاط الصور التذكاريّة معهم، في محاولة لنسبة الفوز لأطراف لم تكن يوما ما قريبة من الرياضة وبالذات كرة القدم! وكان للمنتخب الوطنيّ لقاءات "رياضيّة سياسيّة" لا يُمكن حصرها، ومنها اللقاء مع رئيس الحكومة، وزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، وزعيم منظّمة بدر هادي العامري، ورئيس هيئة الحشد الشعبيّ فالح الفياض، وغيرهم، فيما قرّرت الحكومة منح اللاعبين جوازات سفر دبلوماسيّة! وخلال جميع هذه الفعّاليّات أهدى "قادة الرياضة" كأس الخليج لزعماء السياسة، فلماذا رُتبت الفعّاليّات بهذا السياق الغريب؟ وهل الكأس ثمرة من ثمار السياسة؟ هذه الخطوات "المُذهلة" أثارت ملايين الجماهير، وصاروا بين مُؤيّد ومُعارض لهذه الأساليب التي يُراد منها ركوب موجة الفوز بكأس البطولة! وفي النهاية، وعند تفحّص عموم هذه المعطيات غير المُتناغمة وتسليط الضوء على الدهاليز السياسيّة والاقتصاديّة، يمكن الجزم بأنّه لا أحد يعلم ما مصير أو مسار حكومة السوداني.

وهل هي سائرة على طريق حكومة رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي، أم لها أسلوبها الخاصّ والمتوازن وبالذات فيما يتعلّق بالمصالح الأمريكيّة والإيرانيّة في العراق؟ هذه الملابسات والتصادمات لا يمكن معها بناء دولة آمنة ومستقرّة تسعى للتطوّر والبناء! مَن يريد إدارة العراق عليه ألا يسمح لهذه التصادمات والصراعات السياسيّة والفكريّة والاقتصاديّة والرياضيّة أن تفرض ظلالها وآثارها المزعجة على حياة المواطنين، وإلا فثورة الجياع (المُرتقبة) ستقلب الطاولة على الجميع!

منوعات      |      المصدر: عربي 21    (منذ: 1 سنوات | 41 قراءة)
.