سينما السجن لتأسيس الوعي الثقافي في المؤسسات الجنائية

اصطف عدد من نجوم السينما على مسرح صغير في مدينة بنزرت شمال تونس إيذانا بانطلاق عرض سينمائي خاص وفريد من نوعه.

تحدث بعض الضيوف عن أهمية هذه الخطوة ورمزيتها فقد كان الجمهور سجناء سجن برج الرومي ذي السمعة السيئة مع عدد الضباط والعاملين في السجن وثالثهما أبطال الفيلم والعاملون فيه.

وتدور قصة الفيلم عن القاضي فوزي الذي يحكم ظلما على المتهم مستاري في قضية تهريب آثار ملفقة، ليقضي هذا الأخير 10 سنوات من حياته خلف القضبان يفقد خلالها زوجته وتصاب أمه بداء ألزهايمر.

يسوق القدر إلى القاضي خبر إصابته بالسرطان لتنقلب حياته رأسا على عقب قبل أن يكتشف أن أوراقه الطبية اختلطت بأوراق مستاري، وأن هذا المتهم البريء زادت مصائبه بداء عضال.

عندها يحاول فوزي طلب الصفح منه بكل الطرق في الفيلم التونسي "سامحني" من إخراج نجوى ليمام سلامة عام 2018.

الملمح الأبرز في تجربة العروض العربية للسينما بين السجناء هو الحرص على أن يتبع العرض نقاش عام مفتوح حول الفيلم.

أي أن السجن تحول للحظة من دار عقوبة إلى دار ثقافة.

وهي رفاهية ربما تكون أمرا خياليا في ظل واقع عربي مأزوم حقوقيا ويعاني فيه سجناء في أكثر من بلد عربي جاء عرض "سامحني" ضمن مهرجان أيام قرطاج السينمائي الدولي في ذلك الحين ضمن مبادرة فريدة لعرض الأفلام على السجناء.

وكانت دراما المرض والسجن في الفيلم لا تختلف عن الأجواء التي أحاطت بإنتاجه لتكسوه بشجن وتراجيديا أضافت إلى قصته أبعادا حزينة أخرى.

فلم تكن المخرجة نجوى ليمام سلامة تعرف بإصابتها بداء السرطان وهي تصور الفيلم ولهذا كان "سامحني" آخر أعمالها، وتوفيت بعده.

كما غيّر فريق العمل عنوان الفيلم الأصلي من "فوزي ومستاري" إلى "سامحني" وهي آخر كلمات المخرجة قبل رحيلها ليكون أكثر تعبيرا عن هذه الأجواء.

استطاع السينمائيون التونسيون بهذه التجربة أن يخترقوا حصنا حصينا في جدار العزلة الفنية والثقافية التي يتعرض لها السجناء، وأن ينقلوا شاشة العرض خلف الأسوار خلال السنوات الماضية.

وهي مبادرة استفاد منها نحو 14 ألف سجين أي ما يقرب من نصف السجناء بالبلاد في سجون شهيرة مثل المرناقية والمسعدين وسيدي الهاني وبرج الرومي.

خاصة وأن هذا الأخير كان حصنا أثناء الاحتلال الفرنسي ثم أصبح معروفا بجرائمه بحق السجناء السياسيين في عهد الرئيسين الراحلين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي حتى إنه أطلق عليه "جحيم الدكتاتور المفضّل" و"أبواب الموت".

الأردن أيضا والمغرب بهما تجارب مشابهة عبر عروض مشروع "السينما للجميع" بين الهيئة الملكية الأردنية ومديرية الأمن العام.

ومشروع "برنامج نور الدين الصايل للأندية السينمائية بالمؤسسات السجنية" في المغرب.

وهي مبادرات ربما لا تعرفها كثير من الدول العربية، ولهذا حرصت على ذكر 3 أمثلة لدول عربية مختلفة من المشرق والمغرب العربي، وليس لدول أجنبية أو غربية، لتوضيح أن التجربة ليست مستحيلة وليست ضربا من الجنون.

دور الشاشة خلف الأسوار الملمح الأبرز في تجربة العروض العربية للسينما بين السجناء هو الحرص على أن يتبع العرض نقاش عام مفتوح حول الفيلم.

أي أن السجن تحول للحظة من دار عقوبة إلى دار ثقافة.

وهي رفاهية ربما تكون أمرا خياليا في ظل واقع عربي مأزوم حقوقيا ويعاني فيه سجناء في أكثر من بلد عربي من غياب المقومات الأساسية للبقاء على قيد الحياة ناهيك عن أن يفكروا، أو يفكر أحد لهم، في مسألة العروض السينمائية والنقاشات الثقافية.

وهنا مربط الفرس.

فإذا نظرنا للسينما والنقاش الفني كوسيلة ترفيه كمالية يمكن تأجيل أي نقاش لهذه القضايا حتى تتحسن أوضاع السجون العربية بشكل عام وتسود قيم الحرية والديمقراطية ودولة القانون.

أما إذا نظرنا إلى السينما والنقاش الثقافي كأداة وعي وتحرر للسجين والسجان فهذا شأن آخر.

ومن باب الحقوق والحريات، فإن للسجناء الحق في المعرفة والتوعية، وهو حق ليس منفصلا على الحق في عدم التعذيب والعيش الآدمي سواء داخل السجن أو خارجه.

كما أن الهدف الأساسي من فكرة السجن -ولو على المستوى النظري- في علوم الجريمة والعقاب هي الإصلاح والتأهيل.

أما التذرع الأمني بخطورة بعض المسجونين أو القضايا للتدرج في مستويات الحرمان، ولو كانت في بعض الأحيان حقا يراد به باطل، فإن شريط السينما يحل هذه الإشكالية على اعتبار أنه ليس بثا مستمرا مثل الراديو أو التلفزيون، ويوجد طريقة بالتحكم في محتوى المادة المقدمة بشكل مسبق ومعرفتها والاطلاع عليها.

وهذا ليس إقرارا بحق السلطات في مصادرة أجهزة البث المرئي والمسموع من السجناء، ولكن نزع الحجج التي دائما ما تسوقها السلطات عند طرح مثل هذه القضايا.

إذا أضفنا لهذا أن السواد الأعظم من المسجونين محرومون أصلا من وجود الإنترنت، وبالتالي لا يستطيعون استخدام منصات مثل يوتيوب أو نتفليكس، وهو ما يعد انعزالا شبه كامل عن العالم الخارجي يتنافى مع فكرة التأهيل.

وبالتالي فالمخرج الوحيد والحل الناجع هو السينما بشكلها التقليدي كآلة عرض وشاشة وقاعة معتمة، وهي إمكانيات يمكن أن يوفرها أي سجن.

وبالمناسبة، هي وسيلة لا يستفيد منها السجين وحده بل يستفيد منها كافة العاملين في السجن من جنود وضباط وغيرهم.

فهؤلاء وإن كانوا في ظاهر الأمر أحرارا إلا أنهم يقضون جل وقتهم داخل مباني السجن، فهم بحكم الواقع مسجونون معظم وقتهم، وشيوع مثل هذه الوسائل التثقيفية التوعوية سيساعد في رفع وعي هذه الفئات أيضا.

فليس كل هؤلاء يملكون الوقت أو الإمكانات المادية أو حتى الرغبة في ارتياد دور السينما العادية ناهيك عن الانخراط في نقاش ثقافي وفني.

لقد خطت كثير من الدول العربية خطوات جادة خلال العقود الماضية نحو إصلاح المنظومة الجنائية والمؤسسات العقابية، ودائما ما كانت تأتي رياح السياسة لتعصف بهذه الخطوات وتعيدها إلى المربع الأول.

لكن على الأقل على مستوى التشريعات، أصبح التعليم والدراسة والقراءة جزءا من القوانين المنظمة للسجون، وآن الأوان ليتم تحديث هذه التشريعات لتشمل التثقيف الفني ورفع الوعي عبر العروض السينمائية المختلفة.

الوكالات      |         (منذ: 2 أشهر | 26 قراءة)
.