التجربة التركية والدولة المدنية

الإسلاميون والدولة المدنية التجربة التركية والدولة المدنية ولقد راج كثيراً في الأوقات الأخيرة حديث كثير عن ملاءمة الإنموذج التركي الذي أرسى تجربته حزب العدالة والتنمية لواقع المنطقة العربية والإسلامية، وأنه الأنموذج الذي يحب أن يحتذيه الإسلاميون، حتى أن أحزاباً أغرمت بالاسم نفسه فتسمت به كلياً أو جزئياً.

ولا تثريب على أحدٍ أن يُعجبُ بالتجربة التركية، فهي قصة نجاح لا شك فيها، ولكن الملامة على من يريد أن يتبع سبيلها حذو القذة بالقذة، وأن يحاكي تجربتها كما يتعلم الطفل رسم الخط أو كتابة الأرقام.

فلا شك أن حزب العدالة والتنمية قد أنشأ دولة مدنية ناجحة في تركيا، وأنه نقل البلاد من الهيمنة المطلقة للعسكرية التركية على مقاليد الأمور إلى تحول تدريجي للسلطة إلى أيدى المدنيين، وأنه حقق نحاجات كبرى في مجال تعزيز الحقوق السياسية والمدنية للمواطنين دون تمييز، وأنه يتنقل بخطوات بطيئة ولكنها واثقة لإدماج الأكراد في الوطنية التركية بتعزيز حقوقهم السياسية والمدنية والثقافية، وأنه يعمل بجدية لتكريس حقوق المرأة وتطويرها وحقوق الأقليات وصيانتها.

ونجح الحزب في احترام قواعد الممارسة السياسية، وفي توسيع صلاحية المواطن بتمكينه من انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة، ولم يتلاعب الحزب بالقواعد السياسية أو القواعد الانتخابية لتعزيز حظوظه في السلطة.

ومن جانب آخر حقّق حزب العدالة والتنمية نجاحات كبرى في مجال التنمية والاقتصاد، فتحسَّنت أوضاع المواطنين، وتطورت أحوال الأعمال والاستثمار، وشهدت البلاد نهضة غير مسبوقة منذ العصر الذهبي للعثمانيين.

ولا شك أن في تلك الإنجازات جميعاً تحقيق لرؤى ولمقاصد إسلاميةـ وأن أنموذج حزب العدالة والتنمية التركي قد أقام دولة مدنية متطورة في تركيا.

إلا أنه تبقى أن يُعرب وأن يقال بوضوح إنه مهما كانت قوة الالتزام الإسلامي لرجال مثل رجب طيب أردوغان وعبد الله غول فإن مرجعية الدولة في تركيا ظلت مرجعية علمانية، وأنهم بالفعل فى حزب العدالة والتنمية قد عزّزوا الدولة المدنية في تركيا ولكنها دولة مدنية بمرجعية علمانية.

وتحري العدل يدعونا إلى القول إن المرجعية العلمانية على عهد العدالة والتنمية ليست هي ذات المرجعية العلمانية على عهد من سبقوهم.

فلئن كان الإسلام مذاهب ومدارس فإن العلمانية نفسها مذاهب ومدارس.

والمدرسة العلمانية التركية والمرجعية العلمانية التركية لم تكن هي علمانية الحياد بإزاء الأديان، كما هي في بلدان أوروبية كثيرة، بل كانت هي علمانية العداء للدين، وبخاصة الدين الإسلامي.

فلقد كانت العلمانية التركية علمانية متشددة متطرّفة متعصبة، وحاولت على عهد كمال أتاتورك أن تنزع الناس من جذورهم العقدية والفكرية والثقافية والأخلاقية، وسعت إلى فرض الأنموذج الغربي بما هو موجب فيه وما هو سالب على الناس جميعاً بقوة القانون وبقهر السلطة بل بعسفها وتجاوزها على كل ما هو ديمقراطي أو إنساني.

ولكي يتمكن الحكام العلمانيون من قهر شعبهم سعوا إلى وضع قوة العسكرية التركية التي أذاقت أوروبا المرارات تحت إمرة حلف الأطلسي، فأصبح الجيش التركي أكبر قوة برية تابعة للحلف الأطلسي، وجرى إعادة بناء الجيش ليكون أداة ردع في يد الأطلسي بإزاء حلف وارسو، وأداةً بيد القوى الغربية بإزاء أي تهديد ناشئٍ من انبعاث الإسلام من جديد في تركيا التي وصلت جيوشها في يوم من الأيام إلى فيينا في قلب أوروبا.

كل هذا الفضل نعزوه لحزب العدالة والتنمية الذي غيَّر علمانية تركيا من علمانية متوحشة إلى علمانية مستأنسة.

ونحن نحفظ له الفضل في ذلك، ولكننا نريد في منطقتنا العربية دولة مدنية بمرجعية تشابه هوية شعوبها وأعرافها وميراثها العقدي والفكري والثقافي.

وهذه المرجعية ليست إلا المرجعية الإسلامية.

ومهما كانت نجاحات حزب العدالة والتنمية في إقامة دولة مدنية متطورة فإن هذا لن يحبب إلينا العلمانية ولن بجعلها سائغة في عقولنا ولا قلوبنا.

ولئن كان مفروضاً على حزب العدالة والتنمية أن يرتضي- في مراحل التحوّل نحو تحقيق الإرادة الشعبية الكاملة- القبول بالعلمانية وتطويرها من علمانية معادية إلى علمانية محايدة، ثم ربما من بعدُ إلى علمانية متوافقة مع الهوية الوطنية، ثم إلى دولة مدنية بمرجعية إسلامية تقطع مع العلمانية لتصل مع الشعب التركي المسلم الصميم، فذلك قدر الأتراك، ولكن الأمة العربية قد نهضت لتصنع أقدارها بالعزائم التي لا تلين، وبالاستجابة لوطنها ولدينها ولربها الهاديها إلى صراط مستقيم.

أمين حسن عمر عن كتاب الإسلاميون والدولة

السودان      |         (منذ: 4 أسابيع | 461 قراءة)
.