الملك عبدالعزيز تجاوز مرحلة الشتات والجهل إلى تحقيق الوحدة ومعجزة التحديث

عهد الملك سلمان «مرحلة ذهبية» بإصدار قرارات تصب في المصلحة العامة الأمير محمد بن سلمان تبنى «فكرة جريئة» تعيد صياغة قدرات بلادنا قبل أكثر من 80 عاماً كانت المملكة العربية السعودية تحتفظ في صحرائها بالإنسان البدوي الذي كان بفطرته يعيش، تعرف على طبيعة أرضه فبنى معها علاقة الكائن المنتمي إلى الأرض، كانت حياة هذا الإنسان العربي تقوم على رعي الأغنام، والتنقل في صحراء الشمس الممتدة في كل مكان من دون حدود لها، من الزراعة استطاع أن يقاوم الطبيعة القاسية لحرارة الشمس الحارقة، ومن الرعي استطاع أن يؤسس له علاقة ضئيلة من التجارة القائمة على ذات الفكرة، كان يعيش في فضاءاته الرحبة، يتعايش ويقول ما يشعر به، يحذر من مخاطر المصادفات الممكنة أثناء سيره بقطيعه، لكنه يمتلك شيئاً من تلك الأخلاق العربية التي تأسست مع مر السنوات من خلال عقيدته وطبيعة أجداده، في تلك الحقبة الزمنية كانت الأرض شاسعة، وكان الجميع يعيش لفكرة العيش، حتى جاءت تلك اللحظة التي بدأت فيها الولادة الجديدة لوطن يخلق ويؤثث مكانه من جديد، من خلال أفكار أخذت تراود المؤسس الراحل الملك عبدالعزيز آل سعود -طيب الله ثراه- والتي دفعته إلى بداية نقطة التحول والتي تتحرك نحو فكرة بناء وطن مكتمل الملامح والهوية، فلم يتأخر الملك المؤسس كثيراً كي يفكر بخطوات تقفز بهذا الكيان من الشتات والجهل والتشظي إلى الوحدة والبناء ومعجزة « التمدن». اكتشاف النفط وانطلقت أفكار الملك المؤسس -طيب الله ثراه- نحو تحويل مسار الاقتصاد في تلك الفترة والذي كان يقوم في أساسه على تربية المواشي والزراعة والتجارة البسيطة وعلى موسم الحج والعمرة، ليتجه إلى البحث عن الأرض التي ستخرج من أعماقها ذهباً وتغير من وجه المملكة العربية السعودية، حتى قامت بمنح الامتياز للتنقيب عن البترول للنقابة الشرقية العامة عام 1923م إلا أن ذلك التنقيب لم ينجح بحسب التوقعات، لكن الملك المؤسس لم ييأس فقلبه كان يحدثه بمعجزة التغيير لوطنه الذي لم يكتشف بعد، فبدأت قصة اكتشاف البترول حينما وقع الملك المؤسس عام 1933م اتفاقية التنقيب عن البترول بين حكومة المملكة وبين شركة ستاندرد أويل أوف كاليفورينا «سوكال» وفي نفس العام تم إنشاء شركة تابعة لها وهي (كاسوك) حتى تمت عملية المسح والتي بدأت في الدمام، وكان أول موقع اكتشاف حقل نفطي في المملكة والذي اعتمد من خلاله الأميركيين على أهل البادية في الإرشاد حتى تم حفر أول بئر في «الظهران» والتي لم تكن نتائجها مثمرة في بداية الأمر، ولكن الشركة استمرت في الحفر خمس سنوات ولم تتأخر النتائج المبهرة بعد تلك السنوات، فتم إنشاء أول بئر وهو بئر 7 في الدمام بإنتاج 585,1 برميل في اليوم ومع مرور الوقت تحولت المملكة كدولة من أهم الدول المنتجة للنفط فتم تغيير اسم الشركة من «كاسوك» إلى شركة الزيت العربية الأميركية والتي أصبح اسمها بعد ذلك «شركة أرامكو» السعودية لتنطلق المملكة في خطوات اقتصادية ستغير من ملامحها وواقعها. إن القصة الأولى لبداية ارتباط المملكة بالنفط كانت بداية التحول لوطن مازال في تلك الفترة يقف على قدميه ويتأسس، فقد عقبت تلك المرحلة مراحل عديدة وطويلة كانت المملكة فيها تتخذ من النفط وإنتاجه الاقتصاد الأول لها، والاعتماد الذي من خلاله تبني علاقاتها وتوجهاتها الاقتصادية والاستثمارية، فلا شك أن هذه الأرض التي أثمرت طرح النفط من أراضيها غيرت من حياة الإنسان ومكنته من أن ينطلق في مسار جديد لشكل التنمية الذي لا نبالغ حينما نصفه بأنه كان يحبو نحو طريق التطور بخطوات تكبر حيناً وتصغر حيناً آخر. ثقافة جديدة وبدأ المواطن السعودي من جديد يتعلم كيف يتحضر فنشأت المدارس وانطلق التعليم حتى يعيد بناء الأرض والإنسان، ونمت تلك الخطوات حتى أصبحت هناك مجالات تتكئ على النفط في استقطاب التنمية للمملكة من خلال خبرات الدول الأخرى والخبرة الأميركية التي أثرت كثيرًا في تنامي ثقافة أرامكو السعودية، في حين بقي البترول المعزز لكل تحرك وتطوير من خلال شركة أرامكوا السعودية التي غيرت كثيراً من واقع مفهوم العلم والعمل والفكر الجديد لثقافة أوجدت التنوع الاجتماعي الذي أثر كثيرًا في بيئات العديد من السعوديين، فهذه الشركة العملاقة بجميع التنوع الذي احتوته، ومن خلال شرائح غربية متباينة، أوجدت بيئة مفتوحة بثقافتها المغايرة لتلك الثقافة المجتمعية التي مازالت في تلك الحقبة بدائية، وولدت من رحم المجتمع السعودي المغلق، لكننا لا نبالغ حينما نجزم بأن تسرب تلك الثقافة الغربية بحضارتها ومفهومها عن حياة الانضباط، عن أسلوب التطور الحديث، ومن خلال انتشار اللغة الإنجليزية كثقافة وأسلوب حياة بدأت تتسلل إلى واقع بعض السعوديين الذين كانوا جزءاً من منظومة العمل في شركة أرامكو، حتى تأثرت الكثير من المفاهيم بوجود ما يمكن أن نسميها «ثقافة أرامكو» التي خلقت نماذج عديدة من السعوديين الذين تأثروا بأسلوب الحياة والذي كان يحاط بها سور بناء أرامكو، فالفكر أصبح منفتحاً أكثر، في حين غيرت حياة شركة «أرامكو» طريقة التعاطي مع العمل والعلم وهي الشركة التي لطالما عرفت بالانضباط العالي والجودة فيما تقدمه، في حين أخذت بعض التفاصيل التي حوت ذلك العالم المغلق لشركة «أرامكو» بالتسلل لحياة العامة من الناس والذين لا يرتبطون بها بشكل مباشر، فتأثر الأسلوب الاجتماعي بهذه الشركة وبدا واضحاً حتى في أدق التفاصيل، كشكل الثياب التي بدأت تتجه لارتداء البنطال كأسلوب نظام لمن يعمل في هذه الشركة، في حين دخلت الكثير من الأطعمة التي تتعلق بالغربيين كنوع من دعم التسهيل لحياتهم إلا أنها طالت حياة السعوديين، فيما قدمت تلك الشركة العملاقة امتيازات لموظفيها لم يكن يحلم بها أي شخص لم يعرف من الأعمال سوى تلك البسيطة منها والتي لا تدر ذات الدخل المادي التي تقدمة شركة الزيت، حتى تحولت شركة أرامكو علامة فارقة لأي رجل يلتحق للعمل بها على المستوى الاجتماعي. جامعة البترول لكن القفزة الحقيقية جاءت بعدها بسنوات حينما التصق اسم شركة أرامكو بتأسيس جامعة تخرج مهندسين من السعوديين عوضاً عن الاعتماد الكلي على مهندسين أميركيين، فكان تأسيس جامعة البترول والمعادن خطوة جبارة قلبت موازين التعليم العالي في السعودية بتخريج مهندسين سعوديين قادرين على العطاء في شركة هي في الأصل شركة سعودية فجاء التخطيط من أجل استقلالها، فأفتتحت الجامعة في عام 1383هـ وتعد الجامعة المؤسسة التعليمية الرائدة في العلوم والتقنية في المملكة، في حين أثبتت جدارتها لتصبح الجامعة الأولى الرائدة في عدد من براعات الاختراع عربياً ودولياً. الرؤية الطموحة مصادر متنوعة بقيت المملكة غنية بأراضيها التي تنتج البترول، لكنها تدور في ذات المسار من الاعتماد عليه والخوف من التخلي عنه كمصدر وحيد للدخل مكن الإنسان السعودي من أن يتطور في حياته وينمو، ومع مرور السنوات حتى عام 2015 م حينما تولى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- مقاليد الحكم، وولي عهده الأمين سمو الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- والذي من خلال الرؤية الجديدة تم طرح أكبر فكرة جريئة ومباغته، تقوم على أساس تبني المملكة تحويل الاعتماد في الدخل من النفط إلى الاستثمار، وهي الرؤية التي تعتمد في مقامها الأول على التركيز على الإنسان السعودي، من خلال الاعتماد على طاقات وتنمية الشباب مع التنوع في الاستثمارات الضخمة التي تسعى المملكة في رؤيتها الجديدة إلى أن تكون محركاً اقتصاديا لتقدم البلاد، فتم توجيه الوزارات الحكومية والمؤسسات الخاصة باتخاذ ما يلزم لتبني هذه الرؤية، حتى اتجهت المملكة في السنوات الخمس الماضية إلى الاعتماد على مصادر متنوعة وأفكار استثمارية من شأنها أن تعيد تدوير الاقتصاد السعودي، فهناك طموحات بنيت على أساس التركيز على قطاع التعدين والإنتاج العسكري، كما تم الاعتماد على مشاركة القطاع الخاص في تنمية المنشآت السياحية ليخلق التنوع المطلوب في البلاد، مع العمل على تطوير مجالات متعددة كان أهمها تنمية سوق العمل بكوادر وطنية من شأنها أن تقلل من الاعتماد على تحويل الأموال إلى البلاد الأخرى من خلال تقليص حجم العمالة الوافدة، وإمداد السوق السعودية بضخها بأعداد كبيرة من الأيدي العاملة السعودية في مختلف المجالات. منافذ أخرى وكان تمكين المرأة وإشراكها في هذا الجانب من أهم القرارات التي غيرت من وجه الاقتصاد السعودي، بعد أن كان نصف المجتمع نصفاً معطلاً غائباً كما تم تنشيط جميع مرافق السياحة في المملكة وخلق منافذ سياحية جديدة في مختلف مناطقها، من أجل الحد من تسرب الأموال المحلية إلى الدول الأخرى طلبا للترفيه، فتم إنشاء هيئة الترفيه ودعمها بميزانيات لتغير من هوية السياحة الداخلية في المملكة، وتجتذب أعداداً كبيرة من المواطنين والمقيمين والتي بدورها فتحت منافذ أخرى أثرت في تنمية الاستثمار الاقتصادي، من خلال إتاحة التأشيرات السياحية لمن هم خارج المملكة، من أجل زيارة أهم المعالم السياحية فيها والاستمتاع بمختلف مشروعات الترفيه التي غيرت كثيرًا من واقع المجتمع السعودي وأخرجت كل ما لم يكن يتوقعه المنتمي لهذه الأرض بشكل جديد، وضمن الرؤية الجديدة، في حين اعتمدت الرؤية على تأسيس فكراً قائم على الأفكار الشبابية المنطلقة من العلوم والمعرفة والتي قامت بتبني فكر الكوادر الشابة وتنصيبهم على مناصب سياسة ووزارية هامة حتى يأتوا بالجديد، وليتم تغيير الفكر القديم من خلال مشروعات وأفكار تثري مختلف مجالات العمل والاستثمار في المملكة. طموح كبير وتعول المملكة العربية السعودية وبدعم من خادم الحرمين الشريفين على نقطة التنوع التنموي من خلال طرح الأفكار والرؤى التي من شأنها أن تدعم رؤية 2030 القائمة على تنوع مصادر الاقتصاد في المملكة، وتتويج ثروة النفط بفكر الشباب وبدعم وطن لا يتخلى عن ثرواته ولكنه في المقابل يرغب في تحسين وتطوير دخله بطرق جديدة، كما تهدف إلى تلمس ذلك التحول الفكري الذي يقوم على تحسين حياة الإنسان ودفعه إلى أن يتجه نحو المخاطرة المتغيرة التي من تهتم بتحريره من الفكر التقليدي الروعي الذي اعتاد عليه، فالمجتمع السعودي يدرك ويفهم بأن المرحلة الجديدة لتحويل الاعتماد في الدخل من البترول إلى الاستثمار الاقتصادي المتنوع يدفعه إلى مزيد من الخيارات التي يجب أن يتبناها في المستقبل القريب، والتي تجعل منه إنساناً بهوية سعودية ولكنها متحررة من جميع المعوقات التي يمكن أن تكدس طاقاته الإيجابية وتخلق منه مواطنا من الدرجة الثانية، فليس أمامه خياراً بعد هذا التحول سوى أن يقفز بطموحه بشكل يتوافق مع رؤية تحويل الاعتماد على الدخل التقليدي إلى دخل عصري بمفهوم الدول المتقدمة، فعلى الرغم من أن الاعتماد الاقتصادي السعودي مازال على ذات الوتيرة فيما يتعلق بالثروة النفطية إلا أن الطموح كبير في خلق الفضاءات الرحبة والمتعددة في تنوع الاقتصاد، فليس هناك خيارًا أمام المواطن إلا أن يقابل مثل هذا التغيير بشيء يوازي تلك الأفكار الجديدة والقرارات المختلفة، بشكل مغاير لحياة يكون هو فيها جزء من اللعبة الاقتصادية وأن ينطلق نحو تنمية حياته بمشروعات مهما صغرت أو كبرت، لكنها من شأنها أن تبتكر أسلوباً حياتياً جديداً يعيش ويتطور من خلاله. مرحلة ذهبية وسيحفظ التاريخ المرحلة الذهبية لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين والتي قفزت بتضاريسها إلى خرائط أكثر أفقاً من تلك الجغرافيا التي لطالما طمح إليها السعوديين، فالذاكرة حافلة بقيادة بقيت تصر على الاختلاف في زمن يصعب كثيراً أن تحقق فيه الاستثناء والتحول في مجتمعات مؤهلة لذلك، فكيف حينما يكون ذلك المجتمع لم يعتد أن يجرب أن يخرج من الشرنقة لتقاليده العالية، لكنه فعلها والثقافة الجديدة بدأت تطال تفاصيل حياته وتعيد بناء الفكر والاقتصاد والمجتمع من جديد. خادم الحرمين سار على نهج المؤسس عبر مسيرة عطاء ولي العهد حامل لواء رؤية 2030 جامعة البترول والمعادن في البدايات بئر رقم 7 في الدمام بداية اكتشاف البترول

السعودية      |      قراءة الخبر كاملا من: جريدة الرياض (منذ: 3 أيام | 8 قراءة)
.